أحمد بن يحيى العمري

32

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

تعجّل دينارا من نظارة كرم ، فسمع صوت امرأة تصيح ، فقال : ما لهذه ؟ . قالوا : تلد . قال : وأي شيء نعمل لها عند ولادتها ؟ . قالوا : نشتري لها الدقيق ، والزيت ، والعسل ، والسمن . فصرف ديناره ، واشترى زنبيلا « 1 » ، وملأه من هذه الأخبية ، ثم حمله على رقبته إلى بابها ، وقال : خذوا ! . فنظروا . . . وإذا هم أفقر بيت من أهل قيسارية ، وأعبده لله تعالى ! ! . وقال بقية بن الوليد « 2 » : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : تعلّمت المعرفة من راهب يقال له : سمعان . دخلت عليه في صومعته ، فقلت له : يا سمعان ! منذ كم أنت ها هنا ؟ . فقال : منذ سبعين سنة ! ، فقال : يا حنيفي ! وما دعاك إلى هذا ؟ . فقلت : أحببت أن أعلم . ثم قلت له : ما الذي تأكل ؟ . قال : في كل ليلة حمّصة ! . قلت : فما الذي يهيج قلبك حتى يكفيك الحمّصة ؟ . فقال : ترى الدير الذي بحذائك ؟ . قلت : نعم . قال : إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا ؛ فيزيّنون صومعتي ، ويطوفون حولها ، ويعظّموني بذلك ، فكلّما تثاقلت نفسي عن العبادة ، ذكرت تلك الساعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة ، فاحتمل أنت يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد . فوقعت المعرفة في قلبي . ثم قال لي : حسبك أو أزيدك ؟ . قلت : زدني . فقال : انزل عن الصومعة ، فنزلت ، فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة ، وقال لي : ادخل الدير ، فقد رأوا ما أدليت لك ، فلما دخلت الدير ، اجتمع النصارى حولي ، فقالوا : يا حنيفي ! ما الذي أدلى لك الشيخ ؟ . قلت : من قوته . قالوا : وما الذي تصنع به ؟ . نحن أحقّ به ، فبعناه . قلت : بعشرين دينارا ؛ فاشتروه ، ثم رجعت إلى الشيخ ، فقال : يا حنيفي ! لو التمست منهم عشرين ألف دينار لأعطوك ! . ثم قال : هذا عزّ من لا تعبده ، فكيف عزّ من عبده ؟ . يا حنيفي ! أقبل على ربك ، ودع المجيء والذهاب .

--> ( 1 ) قال في اللسان : الزّبيل والزّنبيل : الجراب ، وقيل : الوعاء يحمل فيه ، فإذا جمعوا قالوا : زنابيل ، وقيل : الزّنبيل خطأ وإنما هو زبيل ، وجمعه : زبل ، وزبلان . " لسان العرب مادة ز ب ل " . ( 2 ) بقية بن الوليد الكلاعي ، الحميري ، أبو يحمد الحمصي ، أحد الأعلام ، قال ابن عدي : " إذا حدّث عن أهل الشام ، فهو ثبت ، وإذا روى عن غيرهم خلط " . توفي سنة سبع وتسعين ومائة . خلاصة تذهيب الكمال : ص 46 .